الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
616
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
على أن للقلم في أرجاء تفضيل المدينة مجالا واسعا ومقالا جامعا ، لكن الرغبة في الاختصار تطوى أطراف بساطه ، والرهبة من الإكثار تصرف عن تطويله وإفراطه . وقد استنبط العارف ابن أبي جمرة من قوله - صلى اللّه عليه وسلم - المروى في البخاري « ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة » « 1 » . التساوي بين فضل مكة والمدينة . قال : وظاهر هذا الحديث يعطى التسوية بينهما في الفضل ، لأن جميع الأرض يطؤها الدجال إلا هذين البلدين ، فدل على تسويتهما في الفضل ، قال : ويؤيد ذلك أيضا من وجوه النظر : لأنه إن كانت خصت المدينة بمدفنه - صلى اللّه عليه وسلم - وإقامته بها ومسجده ، فقد خصت مكة بمسقطه - صلى اللّه عليه وسلم - بها ومبعثه منها ، وهي قبلته ، فمطلع شمس ذاته الكريمة المباركة مكة ، ومغربها المدينة ، وإقامته بعد النبوة على المشهور من الأقاويل بمكة مثل إقامته - صلى اللّه عليه وسلم - بالمدينة ، عشر سنين في كل واحدة منهما . كذا قاله . وأنت إذا تأملت قوله - صلى اللّه عليه وسلم - فيما رواه مسلم من حديث سعد « يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه : هلم إلى الرخاء ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، والذي نفسي بيده لا يخرج أحد رغبة عنها إلا أخلف اللّه فيها خيرا منه » « 2 » ظهر لك أن فيه إشعارا بذم الخروج من المدينة . بل نقل الشيخ محب الطبري عن قوم أنه عام أبدا مطلقا ، وقال : إنه ظاهر اللفظ . وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعا يوم القيامة أو شهيدا » « 3 » .
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 1881 ) في الحج ، باب : لا يدخل الدجال المدينة ، ومسلم ( 2943 ) في الفتن ، باب : قصة الجساسة ، من حديث أنس بن مالك - رضى اللّه عنه - . ( 2 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 1381 ) في الحج ، باب : المدينة تنفى شرارها . من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - . ( 3 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 1378 ) في الحج ، باب : الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها . من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - .